
كان يوم العشرين من سبتمبر عام 1998م هو نهاية المطاف لحقبة مريرة من الصراع السياسي المحتدم بين رئيس الوزراء مهاتير محمد, والزعيم الماليزي البروفيسور أنور إبراهيم نائب رئيس الوزراء ووزير المالية، والرجل الثاني في ماليزيا في ذلك الوقت.. وقد كان الرجل قاب قوسين أو أدنى من اعتلاء سدة الحكم في البلاد، وكان هو الأجدر بخلافة السيد مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي.. لكن خلافاً في الرأي دب بين الرجلين، أو بين الأستاذ وتلميذه، وظل الخلاف خلاف رأي. لكن القوى المتربصة والحانقة على سرعة صعود أنور إبراهيم وتنامي شعبيته، والخائفة من اعتلائه الحكم كانت تعمل ليل نهار؛ لإحداث الفتنة بين أنور ومهاتير من جانب، ومن جانب آخر لحبك سلسلة من التهم غير الأخلاقية لإلصاقها بأنور، سعياً لعزله وفضيحته وإسقاطه من عيون الجماهير، ثم إدخاله السجن غير مأسوف عليه، وقد نجحت تلك القوى الشريرة فيما خططت تماماً، إذ حدثت الفتنة بالفعل، وتم عزل أنور إبراهيم، وإدخاله السجن يوم 20/9/1998م لكنها لم تنجح في إسقاط الرجل من قلوب وعيون الناس الذين وثقوا به وأحبوه، ولم تنجح كذلك في هز عرش أسرته القوي، ولا إلحاق الهزيمة النفسية به... فقد دخل الرجل السجن وواجه وأسرته أبشع حملة تضليل وتشويه لسيرته وسمعته، وواجه الموت داخل زنزانته، وتدهورت صحته حتى أصبح قعيد كرسي متحرك مرتدياً دعامة العنق، فقد أصيب بأكثر من انزلاق غضروفي، وفي نفس الوقت فإن أسرته لم تسلم من المنغصات الأمنية، حيث داهمت قوات الأمن المنزل أكثر من مرة.. لكن ذلك كله لم يفتّ في عضد الرجل ولم يهزم أسرته، وإنما ازداد تماسكاً وقوة على منازلة خصومه وإصراراً على مواصلة طريق الإصلاح دون هوادة أو خوف، وكانت أسرته على نفس المستوى من الإصلاح، ففي فترة عزله سياسياً بادرت زوجته بقيادة أنصاره عبر تأسيس حزب جديد «حزب العدالة الوطني»، ورغم كل المضايقات والتضييق الذي واجهه ذلك الحزب، وواجهته د. «وان عزيزة» زوجة «إبراهيم» إلا أن الحزب شق طريقه لإثبات وجوده، تقول «وان عزيزة»: «لقد فعل الحزب الحاكم كل ما في وسعه لوقف مسيرتنا لاعتقاده بأننا نشكل خطراً سياسياً عليه...».
كانت مشكلة أنور إبراهيم الأساسية مع طبقة الفساد، فقد ذكر أحد مساعديه خلال محاكمته أن «أنور يمتلك في حوزته صناديق عدة مليئة بالأوراق التي تثبت فساد وزراء في الحكومة»، وقد كشف أنور بالفعل جانباً من فساد وزيرة التجارة والصناعة في ذلك الوقت «رفيدة عزيز»، ووزير المالية الذي خلف أنور وهو «دائم زين الدين» أحد أثرياء ماليزيا..
من جانب آخر، فقد كان أنور يمثل مشكلة كبرى لعبدالله بدوي رئيس الوزراء الحالي الذي خلف مهاتير محمد، وتقول «وان عزيزة» زوجة أنور: «إن بدوي هو أقدم سياسياً في «حزب أمنو» الحاكم من أنور الذي جاء بعده لكن نجمه صعد فجأة، وتفوق على بدوي، ولأن كليهما من ولاية واحدة هي «بينانج» فطبيعي أن يحصل التنافس».. وكانت نتيجة المنافسة، أن تكتل كل الحانقين على أنور والخائفين منه حتى أزالوه!
وقد كان يوم النطق بالحكم على أنور 14/9/1999م بالسجن ست سنوات، يوماً مشهوداً، إذ أعلن أنور تحديه للعصبة الحاكمة وقال: لقد هددني مهاتير قبل إقالتي قائلاً: «استقل، أو لأحاكمنك»، وأكد أن لديه أدلة على المؤامرة التي حيكت ضده ابتداء من المدعي العام حتى آخر مسؤول، وقال: «إن العدالة هي روح البلد، وإن مصيبتنا أن هناك أناساً مستعدين لأن يبيعوا أنفسهم بثمن بخس، ولقد تربيت على مثل ملايوي يقول: «ميراث النمر جلده، وميراث الرجل ذكر اسمه»، فإذا أردت أن أضيف لذلك المثل.. فماذا أقول عن ميراث القاضي الذي حكم؟!
وقبع أنور إبراهيم في السجن ست سنوات، وظلت معتقداته وأفكاره التي سطرها عام 1996م في كتابه «النهضة الآسيوية» على قوتها؛ بل ازدادات نضوجاً وقوة، وأكدت على «وجوب وجود علاقة عضوية بين الأبعاد الاقتصادية والأبعاد الأخلاقية والاجتماعية لعملية التنمية والتقدم، أو ما يشار إليه في الخطاب الإسلامي باسم «النهضة».
وخرج الرجل من السجن قبل عدة أعوام وانتهت فترة عزله سياسياً العام الماضي، وحصل الحزب الذي أسسته زوجته على نسبة كبيرة من الأصوات مقابل تدني نسبة الحزب الحاكم، وعاد الرجل إلى ماليزيا ليخوض نضالاً جديداً في سبيل قيادة البلاد لكن أعداءه كانوا له بالمرصاد، إذ عاودوا تهديده وحصاره، ومعاودة محاكمته بتهم حقيرة.
قبل أن يعود أنور إبراهيم إلى ماليزيا عام 2007م.. التقيت به في حوار مطول امتد لأربع ساعات متواصلة أكد لي يومها أنه مصمم على العودة، رغم أن مهاتير محمد لا يريد ذلك؛ لأني لو عدت فسـ«أعريه»، وسأفضح فساده في مجالات كثيرة، وعاد للتأكيد أن خلافه الأساسي مع مهاتير كان حول نظافة الحكم، وقال: لدي وثائق تدين مهاتير، فقد منح ابنه ملياري دولار عبر شركة بترولية في ماليزيا، ولديَّ وثائق بذلك، وعندما أردت إنقاذ ماليزيا من المصير الأسود بإصدار قانون ضد الفساد حال أولاد مهاتير محمد والوزراء المنتفعون دون ذلك.
وقال: إن حملة الاغتيال المعنوي ضدي مازالت مستمرة، لكن المهم أنه بعد هذه السنوات أصبح الناس يفهمون مغزى تلك الحملة، وإن شاء الله سيعلم الناس الحقيقة كاملة.
عن المجتمع الكويتية
كتبها المحرر في 07:37 مساءً ::




